تاريخ الخدمات المصرفية

تاريخ الخدمات المصرفية

المصدر:

تاريخ الخدمات المصرفية - عام 2001

تاريخ النقد في الولايات المتحدة - فريدمان وشوارتز.

ترجمة: سمير ع.

 

المعابد الآمنة في القرن الثامن عشر قبل الميلاد

في الأزمنة القديمة كان المعبد مستودعًا آمنًا للثروات والأصول التي اتخذت صورة الذهب آنذاك. ويُعزَى ذلك الآمان إلى طبيعة المكان من حيث القدسية والحضور الدائم للكهنة والمصلين ما يمنحه المزيد من الأمن والحماية ضد السرقة. ونظرًا لخمول قيمة هذه الودائع في المعبد وزيادة الحاجة إلى خارجه في الوقت ذاته ظهرت فكرة الاقتراض التي مثلت حجر الأساس لمفهوم الخدمات المصرفية، وقد تجلى ذلك لأول مرة في عهد حمورابي حاكم بابل.

ظهور الممولين اليونانيين والرومانيين في القرن الرابع قبل الميلاد

كان الحال في اليونان أكثر تنوعًا وابتكارًا مقارنةً بالحضارات السابقة. فقد ظهرت المعاملات المالية المختلفة مثل إنشاء الودائع وتقديم القروض وتغيير العملات وتقدير قيمة العملة من حيث الوزن والنقاء. وقد زُوِّدَت هذه الخدمات عن طريق الأفراد والمؤسسات العامة والمعابد.

وفي تلك الحقبة ظهرت الفكرة الأولى للحوالات المصرفية حيث كان يمكن التنسيق بين المقرضين الذين يدفعون الأموال في إحدى المدن اليونانية وبين المستفيدين الذين يستقبلون القرض في مدينة يونانية اخرى، وهكذا زالت حاجة العميل إلى السفر أو نقل كميات كبيرة من الأموال. لم يختلف الحال في روما حيث اتبعت نهج اليونان ذاته في خدماتها المصرفية. وكانت الديون تُسَدَّد رسميًا في المصرف مع توثيق هذه المعاملات في الدفاتر بمعرفة المصرفيين المختصين. بيد أن المصرفيين قد فقدوا أهميتهم مع زوال الإمبراطورية الرومانية وتقلص دورهم بسبب موقف الكنيسة المُعادي لتحصيل الفوائد وتحريمها باعتبارها ربا.

الدين والخدمات المصرفية خلال القرنين الثاني والثالث عشر الميلادي

لقد استفاد أتباع الأديان الأخرى من تحريم الربا في المسيحية ما أدى إلى ظهور فئة المرابين اليهود واستغلال فرصة الحاجة إلى التمويل في السوق الأوروبي المنتعش. ونفس الأمر انطبق على طائفة فرسان الهيكل الذين اكتسبوا نفوذًا اقتصاديًا قويًا خلال بضع سنوات. ومع الوقت انتقلت تجارة الخدمات المصرفية المربحة إلى عامة الشعب المسيحي، وكان اللومبارديون هم أول المستفيدين.

التحول من مصرفيين إلى ملوك أوروبا: القرنين الثالث والرابع عشر الميلادي

في القرن الـ 13 حلَّ اللومبارديون تدريجيًا محل اليهود واكتسبوا المزيد من الثراء والسلطة بفضل دورهم كمُقرضين. وقد طور الإيطاليون من خدماتهم عن طريق اتباع نظام القيد المزدوج لمسك الدفاتر؛ حيث ساعد ذلك في التملص من خطيئة الربا وذلك من خلال اعتبار فوائد القروض بمثابة هدية طوعية من المقترض أو تعويضًا عن المخاطرة.

في فلورنسا اختلف الأمر حيث تهيئت الظروف لتصبح أكبر ممول في العالم بفضل عملتها الذهبية الشهيرة فلورين وهي العملة الصعبة في ذلك الزمن. وفي أوائل القرن الـ 14 ازدهرت عائلتان في المدينة هما باردي وبتوزي وجمعت ثروات هائلة بفضل تقديمها للخدمات المالية؛ حيث كانت توفر جمع ونقل الأموال وتسهيل المعاملات التجارية عن طريق تزويد التجار بسندات صرف يمكن للدائن أن يستخدمها في أي مكان للحصول على أمواله التي دفعها المدين في مدينة ما (الشيك المصرفي حاليًا). وقد ازدهرت هذه الخدمات بشكل متزايد وذاع صيت هاتين العائلتين في القرن الـ 14 وصار لمكتبها العديد من الفروع في شتى بقاع الأرض.

ونظرًا لنفوذهما الاقتصادي أقرضت كلتا العائلتين الملك إدوارد الثالث قدرًا كبيرًا من عملة الفلورين في أثناء حربه المكلفة مع فرنسا والتي كانت شرارة حرب المائة عام، بيد أن الملك قد تخلف عن سداد مدفوعاته ما ادى إلى تعريض العائلتين إلى الإفلاس. ومع ذلك استطاعت فلورنسا التعامل مع هذه الأزمة وجنى ثروات كبيرة في منتصف القرن اللاحق بفضل مولي المدينة وكانت العائلتان بازي وميديسي الأبرز في القرن الـ 15 الميلادي.

آل فوجر: القرن الخامس والسادس عشر

بحلول القرن الـ 15 لمع نجم آل فوجر في عالم التمويل وتحتل صدارة المشهد كخليفة لآل ميديشي التي تراجع دورها بسبب الانشغال بالسياسة. وقد اكتسبت آل فوجر مكانتها جرّاء توليها أعمال التمويل للأمراء والملوك في أوروبا. وقد صنعت هذه العائلة مجدها الأول في صناعة النسيج، بيد أن الحدث الفارق لها هو تقديم قرضها الأول لدوق هابسبورج عام 1487 ضمانًا لمصالحها في مناجم الفضة والنحاس في تيرول. بعد ذلك، أقرضت الإمبراطور الروماني ماكسيميليان، إلا أن النقلة النوعية حدثت عند تعاملهم مع حفيده تشارلز الذي كان يطمح في الفوز في الانتخابات والتغلب على منافسه فرانسيس الأول من أجل نيل مقعد الإمبراطورية. وبالفعل مولت آل فوجر الحملة الانتخابية لتشارلز وتحقق له مراده.

وفي ذلك الوقت كانت الفائدة السنوية للقرض تصل إلى 12%، وقد تبلغ 45% حين الاضطرار إلى الرفع المفاجئ للقرض. إن خدمات التمويل مربحة للغاية مع الحكام لا سيما في حالة تورطهم في حروب طويلة تستنزف موارد الدولة واللجوء الاقتراض من أجل تغطية النفقات اللازمة. وفي نهاية القرن الـ 16 انسحبت آل فوجر من المشهد بعد تعرضها لعدة مخاطر وفضلت الاستقرار في الأوساط الأرستقراطية المريحة والاستمتاع بالثروة التي جنتها.

المصارف والشيكات: القرن السادس عشر

في عام 1587 تم افتتاح أول مصرف في مدينة البندقية بهدف حفظ أموال التجار في صورة ودائع وتسهيل المعاملات المالية بالمدينة. ومن ثم أوجدت تلك المبادرة الفرصة الآمنة لممارسة الإقراض وتأمين الأعمال التجارية المعرضة للخطر. وقد شهدت بدايات القرن الـ 17 افتتاح العديد من المصارف في الكثير من المراكز التجارية الأوروبية. ونتيجة لذلك ظهرت الشيكات المصرفية كجزء من الخدمات المصرفية وهي وسيلة لتحويل الأموال باستخدام سند صرف بدلاً من العملات. وقد شاعت هذه الوسيلة تدريجيًا في أواخر القرن الـ 17. وقد استغلت المصارف فكرة الودائع مقابل فائدة نسبية في تحقيق الأرباح لها من خلال الاستفادة من الفرق بين نسبة الفائدة المدفوعة للمودعين والفائدة المطلوبة من المدينين عند تسديد القروض. وقد أثمر نجاح الفكرة عن تحول المقرضيين إلى مؤسسات مصرفية خاصة بشكل تدريجي خلال القرنين الـ 17 والـ 18 ليصبح الأمر أكثر احترافية. وجرَّاء هذا التطور في القطاع المصرفي ظهرت في المرحلة التالية المصارف الوطنية.

المصارف الوطنية في القرنين السابع والثامن عشر

شهدت تلك الحقبة بداية تعامل المصارف مع الدولة وكانت الريادة في ذلك من نصيب البندقية أيضًا. وقد سعت المصارف إلى إقراض الدولة مقابل الدفع في صورة ائتمان ما يحد من المخاطرة ويزيد نسبة الأمان ما يؤدي إلى رفع قيمة التمويل العام. تطورت العلاقة بين الدولة والمصارف حتى تحولت إلى شراكة رسمية بينهما أثمرت عن فكرة المصرف الوطني، ومع الوقت ظهرت الحاجة إلى مصرف مركزي يعمل على تنظيم هذه العلاقة حيث تطرح الحكومة من خلاله سنداتها عند الحاجة إلى تحصيل أموال، ومن ناحية أخرى يقوم المصرف بأعمال المقاصة وتسهيل ومعالجة المعاملات اليومية. وفي هذا الصدد كانت الريادة من نصيب مصرف انجلترا في نهاية القرن الـ 18والذي صار ملاذًا للائتمان في أي أزمة، ولذلك يحتاج المصرف الوطني يحتاج إلى احتياطي كبير من الذهب في خزانته.

العملات الورقية: 1661 – 1821

شهد القرن الـ 17 الظهور الأول للعملات الورقية، وفي منتصفه أسس يوهان بالمسترش (Johan Palmstruch) مصرف ستوكهولم وهو مصرف خاص ذو علاقة قوية بالدولة. وقد طرح هذا المصرف أوراق نقدية أنيقة الشكل قابلة للتداول. بيد أن المطاف ينتهي بمواجه بالمسترش لعقوبة السجن بسبب الاحتيال وطرح أوراق نقدية تتجاوز قيمتها غطاء قيمة الفضة الموازي لها.

في عام 1716 أسس جون لو مصرف جنرال في باريس وأصدر أوراقًا نقدية بيد أن ثقة الجمهور قد اهتزت بشأنها بسبب قرار الحكومة بخفض قيمة هذه الأوراق إلى النصف. ونتيجة للرواج التجاري في القرن الـ 18 لم تتوقف المحاولات الرامية إلى طرح أوراق نقدية من أجل توفير عملة قابلة للتداول بدلاً من المعادن الثمينة. وبمرور الوقت ازدادت الثقة تدريجيًا في تلك الأوراق لا سيما بعد الدعم الحكومي لها وحرصها على بقائها في حالة تداول من خلال حظر استبدالها بفضة. وهكذا تم تجنب خطر الإفلاس وصار التضخم هو الضرر البديل والأخف أذى. وسعت الحكومة البريطانية اعتبارًا من عام 1821 إلى اتخاذ الذهب معيارًا لقيمة العملة حفاظًا على قيمتها.

أل روتشيلد: 1801 – 1815

في العام 1801 كان أمشيل روتشيلد مصرفيًا يهوديًا في فرانكفورت، وقد كلفه وليام التاسع حاكم الولاية الألمانية هيس كابيل بتقديم خدماته لأمراء أوروبا الآخرين، وقد استغل روتشيلد هذه الفرصة ليقرض بعد ذلك الحكومة الدنماركية قرضًا بقيمة 20 مليون فرنك. وكان هذا القرض بداية التعامل مع الحكومات ليصبح بعد ذلك هو وعائلته من كبرى العائلات المقرضة في العالم. سرعان ما انتشر أفراد العائلة في أهم المراكز المالية في أوروبا لتساهم تمويلاتهم في الحروب الضارية المستمرة آنذاك، ويزداد نفوذهم نتيجةً لذلك. وبعد أن وضعت الحرب أوزارها كانت سمعة العائلة في السماء لتصير لاحقًا شريكًا أساسيًا في أعمال التمويل الحكومي لعدة دول. ومن ناحية أخرى، كانت العائلة مركزًا للمعلومات الموثوق بها لحلفائها، وكانت الحادثة الأشهر في هذا الصدد هو الاجتماع بحكومة لندن وإبلاغها بأن دوق ويلينغتون حقق نصرًا كبيرًا على نابليون في معركة ووترلو.

القرن العشرين

شهد عام 1907 ما يُسَمّى بالذعر المصرفي الأمريكي في الولايات المتحدة الأمريكية.

  • الكساد العظيم

شهد عام 1929 انهيارًا كبيرًا في القطاع المصرفي ونتيجةً لذلك عجزت المصارف عن سداد مستحقات المودعين الذين سعوا إلى سحب ودائعهم بشكل جماعي، وفشلت الضمانات الحكومية في الحد من حالة الذعر وتفشي الفوضى وفقدت المصارف مليارات الدولارات من أصولها وزادت الأعباء بسبب انخفاض الدخل بنسبة كبيرة.

عجزت المصارف عن تحصيل قروضها من المدينين بسبب إفلاسهم، وتضاءلت الأرباح وتوقفت الاستثمارات الرأسمالية في المصارف، ونتيجةً لذلك صارت المصارف أكثر ترددًا في الإقراض. وسعيًا للحلول عملت الحكومة على زيادة الاحتياطات الرأسمالية وتقليص الإقراض في محاولة لتكثيف الانكماش المالي. وبالرغم من ذلك ظل الفشل مستمرًا ويشمل أكثر من 9000 مصرف في الثلاثينيات.

ونتيجةً لذلك، سعت الدول إلى زيادة التنظيم المالي وإنشاء لجان مختصة بالأوراق المالية في الولايات المتحدة وإقرار قانون جلاس - ستيجال الذي يتم بمقتضاه فصل الخدمات المصرفية الاستثمارية عن التجارية من أجل تجنب مخاطر الاستثمار التي تسبب فشل المصارف التجارية.

  • المصرف الدولي وتطوير تكنولوجيا الدفع

في نهاية الستينيات ظهرت معالجة البيانات الإلكترونية وآلات الصرف الآلي. ومن ناحية أخرى تم تأسيس صندوق النقد الدولي والمصرف الدولي من أجل إقراض دول العالم الثالث وتفعيل نظام بريتون وودز. وقد تزامن ذلك مع شيوع التكنولوجيا في القطاع المصرفي التي تمثلت في عام 1959 في معيار التعرف على الحروف عند استخدام الشيكات.

وفي الستينيات تم تطوير آلات الصرف الآلي وشاع استخدامها في نهاية العقد، وبدأت المصارف في ميكنة أغلب المعاملات اليدوية والاعتماد على الكمبيوتر والأنظمة الآلية. وفي السبعينات ظهرت أنظمة الدفع الإلكترونية على المستويين الدولي والمحلي.

  • إزالة القيود والعولمة

في الثمانينات انتشرت الخدمات المصرفية العالمية وأسواق رأس المال بعد تحرير الأسواق المالية في عدة دول. وفي الحقبة ذاتها ظهرت المصارف العالمية ذات الخدمات المصرفية الواسعة المقدمة إلى المصارف الصغيرة ووسطاء الأسهم. ونتيجة لذلك سعت العديد من المصارف إلى عمليات الاستحواذ والدمج والمشاركة في الأنشطة المصرفية الاستثمارية.

وقد استمرت الخدمات المالية خلال فترة الثمانينيات والتسعينيات بسبب زيادة الطلب من الشركات والحكومات وازدهار سوق المال وشيوع الاستثمارات الخارجية التي أدت إلى توفير الأموال في الشركات وتمويل الحكومات. وقد ساعدت هذه الاستثمارات على انتعاش الأسواق المالية في عدة دول بعد أن كان حكرًا على الولايات المتحدة فقط؛ ما زاد من حدة المنافسة وظهور مؤسسات خدمية عالمية تخدم هذا الغرض.

القرن الحادي والعشرين

في بداية القرن الـ 21 ظهرت شركات خاصة تقدم الخدمات المالية لتنافس المصارف في ذلك؛ حيث قدمت خدمات القروض والأوراق المالية والتأمين والمعاش التقاعدي وغيرها من الخدمات. وفي نهاية عام 2001 كان عدد أكبر مقدمي الخدمات المالية 15 مؤسسة من ضمنها جهات غير مصرفية.

وفي العقد الأول من القرن شاعت جهات التمويل غير المصرفية ما أدى إلى تهديد القطاع المصرفي لذلك سعت المصارف إلى تحسين وتنويع خدماتها والاستعانة بأدوات مالية مختلفة من أجل الحفاظ على مكانتها، لذلك بدأ الاختلاف يتلاشى بين المؤسسات المالية. وجدير بالذكر أن هذا العقد شهد تقديم الخدمات المصرفية عبر الإنترنت.

  • الأزمة المالية 2007/2008

تسببت هذه الأزمة في انهيار العديد من المصارف حول العالم وحدوث أزمة ائتمانية كبيرة عالمية. واحتواءً للموقف سعت الحكومات إلى تأميم وإجراء مبيعات لبعض السلع لصالح عدد كبير من المصارف وقدمت ضمانات عديدة لتجنب انهيار النظام المصرفي. وقد أدت تلك الأزمة إلى إعادة النظر في الوضع القائم والعمل على تجنب المخاطر مستقبلاً.

 

 

مواضيع مشابهة قد تعجبك:

 

  1. مَن هو المحلل المالي وما هو المهام التي يقوم بها؟ (ترجمة سمير ع.):

من هو المحلل المالي المعتمد؟ ما هي وظيفة ومهام المحلل المالي وما هي مجالات القطاع المالي المختلفة التي يمكنه أن يعمل بها؟ المحلل المالي هو الشخص المسؤول عن إدارة مختلف الشؤون المالية لحساب شركات الوساطة، وكما يمكنه أن يعمل ايضاً كمستشار في مجالات الاستثمار. اقرأ المزيد.

  1. مدير الخزانة المعتمد (CTP) (ترجمة سمير ع.):

ما هو تعريف مدير الخزانة المعتمد (CTP) ومقومات مهنته؟ مدير الخزانة المعتمد هو لقب مهني للأفراد من ذوي الخبرة في إدارة النقد والذين يجتازون اختبارًا يثبت خبراتهم. اقرأ المزيد.

  1. إعادة هيكلة المؤسسات (ترجمة سمير ع.):

إعادة الهيكلة الجذرية للمؤسسات التجارية وتحويل منظومه العمل التجاري من الهياكل المركزية الهرمية إلى وحدات تجارية لامركزية مرتبطة وتتعاون مع بعضها البعض. اقرأ المزيد.